الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المالكيّة في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول ، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع . وقد احتجّ في الفرق السادس والتسعين والمائة على أنّ أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . وذكر أنّ المالكيّة احتجّوا بهذه الآية على إبطال حديث : خيار المجلس ؛ يعني بناء على أنّ هذه الآية قرّرت أصلا من أصول الشريعة ، وهو أنّ مقصد الشارع من العقود تمامها ، وبذلك صار ما قرّرته مقدّما عند مالك على خبر الآحاد ، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر « المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا » . واعلم أنّ العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم ، كبيع الخيار ، فضبطه الفقهاء بمدّة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه . ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب ، والتعاقد على نصر المظلوم ، وكلّ تعاقد وقع على غير أمر حرام ، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد ، فبقي الأمر متعلّقا بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه : كحلف الفضول . وفي الحديث : « أوفوا بعقود الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام » . وبقي أيضا ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحديبية بين النبي صلى اللّه عليه وسلّم وقريش . وقد روي أنّ فرات بن حيّان العجلي سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن حلف الجاهلية فقال : « لعلّك تسأل عن حلف لجيم وتيم ، قال : نعم ، قال : لا يزيده الإسلام إلّا شدّة » . قلت : وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه . وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية ، كما تقدّم في قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ في سورة آل عمران [ 173 ] . أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ . أشعر كلام بعض المفسّرين بالتّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ بقوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . ففي « تلخيص الكواشي » ، عن ابن عباس : المراد بالعقود ما بعد قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اه . ويتعيّن أن يكون مراد ابن عباس ما مبدؤه قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ الآيات . وأمّا قول الزمخشري أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ تفصيل لمجمل قوله : أَوْفُوا